
التقبّل مش كلمة بنرميها وخلاص… ده فن، ووعي، ونضج، وراحة بال على المدى الطويل.
الإنسان لما يبدأ يتقبّل، بيعرف يعيش… ولما يرفض كل حاجة حواليه، بيتعب نفسه قبل ما يتعب غيره.
أول حاجة لازم نفهمها إن تقبّل الأشخاص مش معناه إننا نوافق على كل سلوكياتهم، ولا نطبّل لأي حاجة غلط بيعملوها. التقبّل هو إنك تشوف الإنسان بعيوبه ومميزاته… وتفهم إن كل واحد ليه طريقته وتربيته وتجربته اللي شكّلت شخصيته. بس في نفس الوقت، يبقى عندك وعي إن فيه سلوكيات لازم تتغير… مش علشان نرضي الناس، لكن علشان نحافظ على صحتنا النفسية وحدودنا.
إحنا كمان لازم نتقبّل إن الزمن اتغير… العادات اتبدلت، والطباع اتشكلت بطريقة مختلفة، والناس بقت أسرع، وأكتر انشغال، وأقل صبر. زمان غير دلوقتي، والمكان غير المكان… واللي كان مقبول من 20 سنة بقى صعب يتطبق دلوقتي. التعلق بالماضي بيعملك صداع… لكن التقبّل بيخلّيك تمشي مع الحياة بدل ما تفضل واقف مكانك.
أما بقى تقبّل الأفعال اللي بتضايقك من الغير… فده مش ضعف، ده وعي. تتقبّل إن مش كل الناس هتفكر زيك، ومش كلهم هيقدّروا تعبك، ومش كل علاقة هتمشي على مزاجك. تتقبّل إن فيه ناس بتدخل حياتك درس، وفيه ناس بتفضل، وفيه ناس خروجها رحمة.
بس ده مايمنعش إنك تحط حدود… لأن التقبّل من غير حدود يتحوّل لاستنزاف.
ومن أهم صور التقبّل كمان… إنك تتقبّل نفسك. تتقبّل إنك اتغيرت، وإن اللي كان يناسبك زمان مبقاش يناسبك دلوقتي. تتقبّل إنك مش نسخة ثابتة… إنت بتتطور، بتتعلم، بتوعى، بتكبر.
وتتقبّل إن فيه عادات وتقاليد لازم تِتراجع… مش كل اللي ورثناه ينفع نكمّل بيه. فيه تقاليد بتحطك في قفص، وفيه عادات بقت عبء على جيل جديد. العقل مش لازم يفضل مربوط بالسنة اللي اتولد فيها… العقل لازم يمشي مع الزمن.
التقبّل مش استسلام… التقبّل وعي.
إنك تفهم، وتستوعب، وتتعامل… مش إنك ترضى بحاجات ضد قيمك.
التقبّل بيخليك أهدى، أعمق، وأقوى… لأنك لما تفهم الحياة، تبطّل تخاصمها.
وفي الآخر… التقبّل رحلة، مش خطوة.
وكل ما تكبر فيها… كل ما نفسك تهدى وقلبك يرتاح.
وكمان من أهم أنواع التقبّل… تقبّلك للتغيير علشان حد بتحبيه.
مش ضعف إنك تتغير… بالعكس، أوقات التغيير بيكون دليل نضج وحب وقدرة على الاحتواء.
فيه ناس بتدخل حياتك تخليك تشوف نفسك من زاوية جديدة… زاوية عمرك ما كنت هتشوفها لو فضلت زي ما إنت.
فاللي بيتغير علشان علاقة صحية… ده مش بيخسر نفسه، ده بيطورها.
وممكن كمان تتقبّل إن فيه حاجات هو بيحبها وإنت شايفاها تافهة… بس عنده ليها معنى.
حاجة بسيطة، عادة صغيرة، أغنية، أكلة، ذكري… يمكن بالنسبة لك “عادية”، لكن عنده بتساوي ذكريات أو راحة أو لحظة مهمة.
لما تتقبّلي اهتمامات اللي قدامك—even لو مش على ذوقك—إنتي كده بتكبّري العلاقة وبتعمّقي الونس بينكم.
وتكتشفي إن الاحتواء مش دايمًا محتاج مجهود… أوقات محتاج بس قلب واسع.
وبرضه من صور التقبّل… إنك تتغيري في ستايل لبسك، أو شكلك، أو طريقة كلامك.
مش علشان ترضي حد… لكن لأنك اكتشفتي إن التغيير نفسه بيرضّيكي أكتر.
يمكن حد قالك كلمة خليتك تبصي لنفسك بمنظور تاني…
يمكن عجبتك فكرة جديدة… يمكن حبيتي تحسّي إنك نسخة أحلى من نفسك.
التغيير مش لغيرك… التغيير ليكي.
ولما تتقبّلي التغيير… هتلاقيه بيكبرك مش بينقصك.
التقبّل في العلاقات مش تنازل…
ولا تضحية…
ولا إنكار للذات.
التقبّل إنك تفهمي إن الحب مشاركة… وإن اللي بيكبر بين اتنين عمره ما يكبر بدون مرونة.
وبكده… التقبّل مش بس فهم للناس، ده فهم لنفسك وإنتي معاهم.
ومش بس رضا عن الواقع… ده استعداد إنك تصنعي واقع أريح لقلبك.
د/ إسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة بمنظمه حقوق الإنسان في وصاحبه كتابي (البحث عن الذات و كتاب طوظ)




